أبي منصور الماتريدي

365

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

جَنَّةً وَحَرِيراً : أي : جزاهم جنة ، وجزاهم حريرا ، فذكر الحرير ؛ لأن الجنان إنما تذكر في موضع التطرب والتنعم بالمآكل والمشارب دون التنعم باللباس ؛ فوعد لهم اللباس من الحرير ، مع ما جزاهم الجنة . وقوله - عزّ وجل - : مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ ، يذكر تفسيرها بعد هذا ، إن شاء الله تعالى . وقوله - عزّ وجل - : لا يَرَوْنَ فِيها شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً : لأنه لا شمس فيها ولا زمهرير ؛ بل يكون ظلها دائما ممدودا ؛ فجائز أن يكون المراد منه : أن ضياء الجنة ليس بالشمس ، ولكن بما خلقت مضيئة ؛ لأن الشمس في الدنيا يقع بها الضياء ؛ فيكون ضياء النهار بالشمس . وذكر أنهم لا يرون فيها الزمهرير ؛ ليعلم أن لذاذة شراب الجنة وبرودته بالخلقة ، لا أن تكون برودته بتغير يقع في الأحوال على ما يكون عليه شراب أهل الدنيا . أو يكون ذكر هذا ؛ ليعلموا أنهم لا يؤذون بحرّ ولا برد . وقوله - عزّ وجل - : وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها : جائز أن يراد به : أنها دانية من هؤلاء الذين سبق نعتهم ، وهم الأبرار ، كقوله - عزّ وجل - : إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [ الأعراف : 56 ] . أو ذكر أن ظلالها دانية ؛ لأنها لو لم تكن دانية ، لكان لا يقع لهم بها انتفاع . وقيل : هي ظلال غصون الأشجار قريبا منهم ؛ لأن للجنة نورا يتلألأ ؛ فيقع بالأشجار ظلال ؛ على ما جاء في الخبر أنه لو ألقي سوار من الجنة في الدنيا ، لأضاءت الدنيا ، ويغلب ضوؤها ضوء الشمس » ، ويجوز « 1 » ذلك ؛ فتقع الأشجار فيها ضلال ؛ كما يشتهونه في الدنيا ليس ذلك على شمس [ ولا ] « 2 » قمر . وقوله - عزّ وجل - : وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلًا : جائز أن يكون أريد بالتذليل : التليين ، أي : لينت ؛ فلا يرد أيديهم عنها شوك . وقيل : إن أشجارها ليست بطوال لا تنال ثمارها إلا بعد عناء وكد ؛ بل قريبة من أربابها ، يقال : حائط ذليل ؛ إذا لم يكن عاليا في السماء .

--> ( 1 ) في ب : ونحوه . ( 2 ) في ب : أو .